|
نيقوسيا، قبرص (ومينز إي نيوز)-- لا تظهر سيفغول أولوداه الجالسة في حديقتها المظلّلة وهي ترتشف عصيراً بارداً بابتسامة وراحة أنّها من الصحافيين الأبطال والمناضلين في قبرص.
وكانت أولوداه خلال السنوات الستة الماضية تنقّب في إحدى القصص الأكثر حساسية في الجزيرة: معرفة مصير 2،000 شخص فُقدوا أثناء الاشتباكات التي وقعت بين اليونانيين والأتراك وسيطرت على قبرص خلال الستينات والسبعينات وأدّت إلى تقسيم الجزيرة الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وتقول أولوداه البالغة 49 سنة وتعيش في الجزء التركي من العاصمة القبرصية نيقوسيا المنقسمة: "شكّلت قضية المفقودين نوعاً من المحرّمات من جانبنا. وقيل للناس أنّهم توفّوا فلا تبحثوا عنهم. وشاب قضية المفقودين الصمت في جاليتنا وأردت كسر جدار هذا الصمت".
ووضعت بتسلسل منذ عام 2002 قصص الأشخاص المفقودين والأقارب الذين تركوهم وراءهم في عمود يومي في الصحيفة القبرصية التركية "يني دوزين" وعمود أسبوعي في الصحيفة القبرصية اليونانية "بوليتيس".
وأسّست خطاً ساخناً للأشخاص ليتصلوا بها ويخبروا قصصهم ويقدّموا أفكاراً عن مكان احتمال دفن هؤلاء المفقودين. ومجموعة من مقالاتها المتعلّقة بالموضوع تُرجمت إلى اليونانية وشكّلت سلسلة من أجزاء عدّة لدى الجانبين في قبرص منذ أن نُشرت للمرة الأولى في عام 2006.
وكانت في البداية صوتاً وحيداً.
ولكن انضمّ إليها تدريجياً عدد من الصحافيين القبارصة الأتراك واليونانيين الذين يكتبون اليوم عن الأشخاص المفقودين في الجزيرة.
ألم من الجانبين
يقول أحمد إردينجيز، وهو مدير عام وزارة الشؤون الخارجية القبرصية التركية، إنّ جهودهم ساعدت الرأي العام على التوصل إلى تفاهم حول العنف الذي حصل. ويقول: "بدأ الطرفان بتقدير الألم الذي تشعر به الجهة الأخرى".
وفي غضون ذلك تحرّكت لجنة المفقودين في قبرص بعد عقود من اللافعالية برعاية الأمم المتحدة لتبحث عن جثث المفقودين وتأسّست رسمياً عام 1981.
وأخرجت اللجنة التي ينتمي إليها إردينجيز جثث 400 من المفقودين اليونانيين والأتراك خلال السنتين الماضيتين من عشرات مواقع التنقيب واستخدمت اختبار الحمض النووي للتعرف على هوية 104 من بينهم.
ورغم أنّ عمل الصحافيين أدّى في بعض الأحيان إلى نشوء آمال خاطئة لدى العائلات بإمكانية إيجاد أقربائهم المفقودين، قال إردينجيز إنّ هذا الأمر ساعد أيضاً في دفع اللجنة على معالجة المسألة بجدية.
وتقول أولوداه، وهي متمرّسة في حركتي حقوق المرأة وحركة السلام في قبرص، إنّها قرّرت البدء بالكتابة عن المسألة عندما اكتشفت أنّ اختفاء والد صديقها القديم في عام 1963 ولم تتحدث العائلة عن هذا الأمر أبداً.
ومن القصص التي كتبت عنها أولوداه قصة امرأة تركية اغتُصبت عندما كانت في سنّ 13 على أيدي محاربين غير نظاميين قبارصة يونانيين خلال المعارك عام 1974 ورجل يوناني كان في الحقبة ذاتها يبلغ 10 سنوات تركه محاربون قبارصة أتراك حتى الموت بعد أن هاجموا بلدته إلى أن وجدته مجموعة من الجنود الأتراك الذين عالجوه وأنقذوا حياته. ويعرف هذا الرجل كلمة تركية وحيدة استمّر الجنود الذين وجدوه بتكرارها وهي "كوركما" أي لا تخف.
ما من أحد تعامل مع هذه الصدمات
تقول أولوداه: "لم يخبرني عدد كبير من الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات هذه القصص حتى زوجاتهم أو أزواجهم ولم يسألهم أحد عن قصصهم قبلاً. ولم يعالج أي شخص هذه الصدمات".
وحصلت قبرص على استقلالها عام 1960 بعد أن حكمها العثمانيون من القرن الرابع عشر وحتى القرن التاسع عشر وبعدها البريطانيون في عام 1878.
ومع حلول عام 1963، كان البلد الجديد – الذي يسكنه اليونانيون والأتراك – في فوضى عارمة وأدّى العنف العرقي إلى وصول جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة وبداية التقسيم الواقعي للجزيرة.
وأصبح التقسيم واقعاً في عام 1974 بعد الاجتياح التركي في أعقاب انقلاب قاده ضباط يونانيون أرادوا إعادة توحيد الجزيرة مع اليونان. وأدّى القتال إلى تهجير حوالى 162،000 من القبارصة اليونانيين و 45،000 من القبارصة الأتراك. وأُعلن عام 1983 أنّ الجزء الشمالي من الجزيرة الذي تحتلّه تركيا هو جمهورية شمال قبرص التركية، وهي ولاية مصغّرة تضمّ حالياً 264،000 نسمة وتعترف بها أنقرة فحسب.
واستأنفت الجاليتان القبرصيتان حديثاً المحادثات أملاً في التوصل إلى تسوية تؤدي إلى إعادة توحيد الجزيرة بعد عقود من المفاوضات العقيمة.
ومن المسائل التي يجب معالجتها التراث الموجع في قضية المفقودين الذين بلغ عددهم حوالى 1،500 يوناني و 500 تركي ونادراً ما تُذكر أسماؤهم في الجانبين.
جرح منتشر
يقول إلياس جيورجياديس، وهو العضو القبرصي اليوناني في لجنة المفقودين في قبرص: "قرّرت الجاليتان في الأساس عدم التعامل مع القضية وإخفاءها. ويمسّنا جميعاً هذا جرح ويسبّب المعاناة للمقرّبين".
وساعدت أولوداه بابتكار طريقة مهمة وجديدة إذ لم تتناول في كتاباتها الأعمال الوحشية التي ارتكبها اليونانيون ضدّ الأتراك فحسب بل كتبت أيضاً عمّا ارتكبه شعبها بجيرانه اليونانيين. ودفعت ثمن هذه الصراحة.
وتقول أولوداه وقد قُتل نسيبها وهو ناشط في مجال السلام منذ 12 سنة على يد رجل مسلّح غير معروف: "تلقيت تهديدات كثيرة. وأشكّل هدفاً سهلاً. ورغم وفاة القاتل لا يزال أبناؤه يهدّدونني... وتلقيّت أيضاً تهديدات من القرى التي كانت فيها مواقع الدفن وأبلغوني عن رفضهم نبش القبور هناك".
وستقدّم المؤسسة الدولية لوسائل إعلام النساء ومقرّها واشنطن في تشرين الأوّل / أكتوبر إحدى جوائز "الشجاعة في الصحافة" السنوية إلى أولوداه والصحافية الأفغانية فريدا نيكزاد وصحافية أخرى لم يُعلن عن اسمها بعد.
وقالت جودي وودراف، وهي رئيسة برنامج الجوائز في بيان: "أظهرت الصحافيات المميزات شجاعة وسط التهديدات والترهيب. وهنّ بطلات صحافة حرّة ويقدّمن أدواراً نموذجية عن أفضل صحافة في العالم اليوم".
وتقول أولوداه إنّ التهديدات لا تردعها وتأمل في أن يساعدها عملها على تأمين المصالحة في قبرص.
وتقول عن كتاباتها: "لا أستخدم الألم لأخلق حقداً بل أستخدمه لأنشئ تعاطفاً وأجمع الناس معاً. ويساعد هذا الأمر في خرق هذه المحرّمات وبالتالي الحديث عن الموضوع".
وقد تكون تاسولا لازارو وعائلتها من الجزء اليوناني لنيقوسيا من بين الأشخاص الذين استفادوا من الفضائح التي نشرتها أولوداه.
فشقيق لازارو الذي يُدعى نيستوروس والمفقود منذ عام 1974 هو من المفقودين الذين لم تكتشف جثّتهم لجنة المفقودين في قبرص ووُجد في مقبرة في حقل عام مع ثلاثة يونانيين فُقدوا أيضاً.
وتقول لازارو: "كنت حزينة جداً في البداية ولكنّي أشعر الآن بتحسّن وبقوة أكبر. ولا يزال الحزن موجوداً ولكنّه ليس قوياً. ونشعر بسلام أكبر". وتحتفظ بنسخة باللغة اليونانية من كتاب أولوداه على طاولة العشاء إلى جانب صورة شقيقها ووثائق من لجنة البحث التابعة للأمم المتحدة.
وتضيف: "أستطيع أن أتعاطف مع العائلات من الجانب الآخر. وأريد أن تشعر العائلات كافة بالراحة".
يغال شليفر كاتب مستقل مقرّه في اسطنبول بتركيا حيث يعمل كمراسل لمجلة "كريستشن ساينس مونيتور" و "جيروزالم ريبورت".
وُمينز إي نيوز ترحب بتعليقاتكم. راسلونا على العنوان التالي:
editors@womensenews.org
لمزيد من المعلومات:
خبراء من الأرجنتين يدرسون بقايا ضحايا جرائم خواريز
http://awomensenews.org/article.cfm?aid= 2156
أمّهات كينيات يشرن إلى الشرطة مع اختفاء أبنائهن
http://awomensenews.org/article.cfm?aid= 3101
الجدّات في ساحة مايو يعتنقن ثقافة الشباب
http://awomensenews.org/article.cfm?aid= 2812
الأرامل في كاشمير يناضلن من أجل حياة كاملة
http://awomensenews.org/article.cfm?aid= 2494
بعد الإبادة الجماعية، النساء يباشرن مهام إعادة البناء
http://awomensenews.org/article.cfm?aid= 1844
ملحوظة: وُمينز إي نيوز غير مسؤولة عن محتوى الوصلات الخارجية، كما أن محتويات هذه
الوصلات قد تتغير دون إشعار.
وُمينز إي نيوز خدمة إخبارية مستقلة غير ربحية تغطي القضايا الخاصة بالنساء وحليفاتهن. وُمينز إي نيوز التي نشأت كبرنامج يحظى بالدعم من صندوق مدينة نيويورك، تُدعم من قبل
قرائنا، ومن أجور إعادة النشر والترخيص بإعادة النشر، ومن قبل صندوق جيمس أل نايت،
مؤسسة باربارا لي الأسرية، مؤسسة روكفيلر الأسرية، مؤسسة هيلينا روبنستاين وصندوق ذا
ستاري نايت. ويُعد دعم هذه المؤسسات مؤشرا مهما على أننا نقوم بخدمة قرائنا- وهو المقياس
الذي يوظفه الداعمون لنا في تقييم عملنا. تبرع اليوم!
بوسع المشتركين في وُمينز إي نيوز أن يختاروا تلقي نص كامل يوميا أو موجز يومي أو
أسبوعي. لتغيير عنوانكم البريدي الإلكتروني، اكتب إلى http://membersvcs@womensenews.org .
ولتغيير معدل تلقيكم خدماتنا بالبريد الإلكتروني أو لإلغاء اشتراككم ، اكتبوا إلى
(membersvcs@womensenews.org)، أو استخدموا الاستمارات المتوفرة على موقعنا على
الشبكة.
حقوق النشر محفوظة لمجلة وُمينز إي نيوز. يمكن نشر المعلومات الموجودة في هذا التقرير من
وُمينز إي نيوز أو بثها أو إعادة كتابتها أو توزيعها بأي طريقة أخرى بموافقة خطية مسبقة من
وُمينز إي نيوز. وللحصول على إذن، وجهوا رسالة إلكترونية
إلى http://permissions@womensenews.org وزودونا بتاريخ النشر أو البث وباسم الجريدة أو المجلة
أو الإذاعة أو المحطة التلفزيونية أو محطة الكيبل أو موقع الإنترنت أو النشرة الدورية أو قائمة الرسائل الإلكترونية حيث ستُنشر نسخة عنها. الرجاء ذكر العدد التقريبي للجمهور الذي تريدون بلوغه.
|